الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

176

تفسير روح البيان

عقيب الليل سريعا وحثيثا منصوب على أنه صفة مصدر محذوف اى يطلبه طلبا حثيثا اى سريعا ولما كان كل واحد من الليل والنهار يعقب الآخر ويجئ بعده من غير أن يفصل بينهما بشئ صار كأنه يطلب الآخر على منهاج واحد وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ عطف على السماوات اى خلق كل هذه المخلوقات حال كونها مسخرات بقضائه وتصرفه اى مذللات لما يراد منها من الطلوع والأفول والحركات المقدرة والأحوال الطارئة عليها أَلا تنبيه معناه اعلموا لَهُ اى للّه تعالى والتقديم للتخصيص الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فإنه الموجد للكل والمتصرف فيه على الإطلاق وفي التأويلات النجمية ما خلق بأمره تعالى من غير واسطة امر وما خلق بواسطة خلق وذكر الامام ان العالم وهو ما سوى اللّه تعالى منحصر في نوعين عالم الخلق وعالم الأمر وان المراد بعالم الخلق عالم الأجساد والجسمانيات وبعالم الأمر عالم الأرواح والمجردات وان قوله تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إشارة إلى هذين العالمين عبر عن العالم الأول بعالم الخلق لان الخلق عبارة عن التقدير وكل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين فعبر عنه بعالم الخلق وكل ما كان مجردا عن الحجم والمقدار كان من عالم الأرواح ومن عالم الأمر مكونات بمجرد امر كن فخص كل واحد منهما باسم مناسب له وقيل ألا له الخلق والأمر انتهى كلام الامام وقال حضرة شيخنا العلامة أبقاه اللّه بالسلامة الخلق عالم العين والكون والحدوث روحا وجسما والأمر عالم العلم والآلة والوجوب وعالم الخلق تابع لعالم الأمر إذ هو أصله ومبدأه قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي واللّه غالب على امره تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ اى تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية قال ابن الشيخ اى تعاظم الا له الواحد الموجد للكل المتصرف فيه بالربوبية رد به على الكفرة الذين كانوا يتخذون أربابا فدعاهم إلى التوحيد بالحكمة والحجة وصدر الآية بان ردا لانكارهم فقال ان ربكم المستحق للربوبية ليس الا واحدا وهو اللّه الموجد للكل على الترتيب المحكم المتقن الدال على كمال العلم والحكمة والقدرة وهو الذي أنشأ ملكه على ما يشاهد ثم أخذ في تدبيره كالملك المتمكن في مملكته بتدبير ملكه انتهى - يروى - ان الصاحب ابن عباد كان يتردد في معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم اى الكلب وأخذ المتاع وتبارك الجبال فاستفسر منهم وعرف ان الرقيم هو الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيمسح به القصاع وان تبارك بمعنى صعد وتعالى وفي الحديث ( من لم يحمد اللّه على عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله ومن زعم أن اللّه خلق للعباد من الأمر سببا فقد كفر بما انزل اللّه على أنبيائه ) لقوله تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ قال الشاعر إلى اللّه كل الأمر في خلقه معا * وليس إلى المخلوق شئ من الأمر ادْعُوا رَبَّكُمْ بمعنى المربى من التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيأ فشيأ وهو تعالى مربى الظواهر بالنعمة وهي النفوس ومربى البواطن بالرحمة وهي القلوب ومربى نفوس العابدين باحكام الشريعة ومربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة ومربى اسرار المحبين بأنوار الحقيقة وهو اى الرب اسم اللّه الأعظم ولذلك كل اسم قلبته بطل معناه الا الرب فان مقلوبه البر